الغزالي
175
إحياء علوم الدين
سبب اشكالها ، فيتوقف فيها إلى أن يسأل . فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي ، فلا يدرى متى يجب عليه التوقف والسؤال . ولو قال لا أقدم العلم ، ولكني اصبر إلى أن تقع لي الواقعة ، فعندها أتعلم واستفتى ، فيقال له وبم تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود ؟ فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة ، فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ، ليتميز له المباح عن المحظور ، وموضع الاشكال عن موضع الوضوح . ولذلك روى عن عمر رضي الله عنه ، أنه كان يطوف السوق ، ويضرب بعض التجار بالدرة ، ويقول لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه ، وإلا أكل الربا شاء أم أبى وعلم العقود كثير ، ولكن هذه العقود الستة لا تنفك المكاسب عنها ، وهي البيع ، والربا ، والسلم ، والإجارة ، والشركة ، والقراض ، فلنشرح شروطها العقد الأول ( البيع ) وقد أحله الله تعالى ، وله ثلاثة أركان : العاقد ، والمعقود عليه ، واللفظ . الركن الأول : العاقد . ينبغي للتاجر أن لا يعامل بالبيع أربعة : الصبي ، والمجنون ، والعبد والأعمى . لأن الصبي غير مكلف ، وكذا المجنون . وبيعهما باطل . فلا يصح بيع الصبي ، وان أذن له فيه الوليّ عند الشافعي . وما أخذه منهما مضمون عليه لهما ، وما سلمه في المعاملة إليهما فضاع في أيديهما فهو المضيع له . وأما العبد العاقل ، فلا يصح بيعه وشراؤه إلا بإذن سيده . فعلى البقال والخباز والقصاب وغيرهم ، أن لا يعاملوا العبيد ، ما لم تأذن لهم السادة في معاملتهم ، وذلك بأن يسمعه صريحا ، أو ينتشر في البلد أنه مأذون له في الشراء لسيده ، وفي البيع له ، فيعوّل على الاستفاضة ، أو على قول عدل يخبره بذلك . فإن عامله بغير إذن السيد فعقده باطل ، وما أخذه منه مضمون عليه لسيده . وما تسلمه ان ضاع في يد العبد لا يتعلق برقبته ، ولا يضمنه سيده . بل ليس له الا المطالبة إذا عتق . وأما الأعمى فإنه يبيع ويشترى ما لا يرى فلا يصح ذلك . فليأمره بان يوكل وكيلا بصيرا ليشتري له أو يبيع ، فيصح توكيله ، ويصح بيع وكيله . فان عامله التاجر بنفسه فالمعاملة فاسدة ، وما أخذه منه مضمون